الأفكار البائدة في معاداة العمالة الوافدة

بقلم: محمد ناهس

حدثني مؤخرا أحد المختصين في عالم العلاقات العامـة والتسويق وكنا نتناول شأن الرعاية الصحية في الكويت فقال: أن كلمة “الوافدين” أصبحت ذات مدلولات سلبية في ذهن المتلقي أو القارئ وأنهم ينصحون المؤسسات الإعلامية والشركات المحترمـة بتوخي الحذر واستخدام كلمة بديلـة “للوافدين” وهي “المقيمين”. سألت مقاطعا: وهل من فرق حقيقي بينهما؟ نعم، أجاب على الفور. كلمة المقيم يا سيدي تعني أنك مستقر ومتواجد في هذا البلد على وجه الديمومة وأنك لست عابر سبيل ولست بلاجئ مؤقت ليقال عنك “وافد”!

بعد الاجتماع، تأملت في حديثه مرارا فقلّبت صفحات الجرائد وحسابات المؤثرين في وسائل الاعلام فرأيت غمامة كبيرة مشحونة بالسلبية تجاه الوافد أو لنقل المقيم. وللأسف، فإن عامة الناس في بلدي الحبيب بدأت فعلا بالاعتقاد أننا نعاني الأزمات تلو الأزمات بسبب المقيمين. وهذا والله تجن وظلم يفقد الكويت مكانتها ويؤثر في سمعتها ويحرمها من ميزات تنافسية كثيرة، سأسرد بعضها:

أولها: أن الكويت عرفت منذ نشأتها الحديثة باستقطابها للكفاءات العربيـة والأجنبية في قطاعات عدة سواء التعليم، هندسة الطرق، النفط، الطب وغيرها. والعجيب في الأمر، أن العديد منهم استوطن الكويت وتزوج فيها ومنها إلى أن امتدت عوائل بعضهم إلى الجيل الثالث وكلهم من مواليد الكويت. لا يملأ صدورهم إلا هواء الكويت، ولا تطرب أسماعهم إلاّ للأناشيد الوطنية للكويت، يتغنون بها مع أولادهم وفي مناسباتهم. وهذا مدعاة للفخر بأننا في الكويت نحتضن الآلاف وربما عشرات الآلاف ممن لديه أبناء وأحفاد ولدوا في الكويت، وتخرجوا من مدراس الكويت وعادوا ليعملوا بشرف واجتهاد لخدمة بلدهم الثاني الكويت

ثانيها: أصبح الوضع مزعجا بشكل لافت، أتحدث مع العشرات من الأصدقاء والزملاء ممن يمرون بحالة من الصدمـة النفسية تجاه الخطاب الاعلامي المحلي وما يبثه من رسائل سلبية أشبه بالسّموم، يملؤه نفس عنصري مقيت ويصاحبه تضليل إعلامي يقوده بعض الجهلة. وهذا ليس اتهام بل هناك من الأدلة الكثير مما يلجم أفواههم الحجّة بأن أزمتنا ليس في المقيمين بل لدينا أزمات على كل الأصعدة حتى أن المقام هنا لا يكفي لسردها. أتحدث هنا عن كفاءات عربية مخلصة لها اسهاماتها في القطاع الحكومي والخاص، حيث يخبرني العديد منهم بأن الوضع في الكويت ليس مستقرا لهم من ناحية نفسية فهم يشعرون بأنهم قد يطردون في أي لحظة ويضطرون لمغادرة الكويت لأي سبب غير منصف. ولهذا فإن الكثير منهم لم يعد يهتم بالاستثمار في الكويت وأصبح يفضل سياسة التوفير تحسبا لأي طارئ. وهذه رسالة لكل مهتم بالشأن الاقتصادي، ليبحث في أبعاد وأخطار هذا السلوك.

ثالثها: إذا كنا نعتقد أن الحديث عن الوافدين أو المقيمين هي أزمـة مؤقتة فهذا غير صحيح. لأننا إذا نظرنا إلى الإحصائيات الرسمية الحالية والأرقام المتوقعة لسنة 2050، فسنجد أن عدد المقيمين سيتجاوز ال 4 ملايين نسمة مقارنة ب 3 ملايين نسمة في عامنا الحالي. هذه أرقام رسمية صادرة من جهات حكومية. وبالتالي فإن العدد سيزيد وينمو تدريجيا، وليس من الحكمة نشر روح الكراهية وخيوط البغضاء أو حتى استمراء الكذب وكأن مشكلتنا حقا في المقيمين. 

بيانات من الهيئة العامة للمعلومات المدنية

رابعها: مازلت أقابل سنويا العشرات من الأجانب (عربا وغير عرب) في مناسبات عدة خارج الكويت كالمؤتمرات الطبية واللقاءات التجارية مع السفارات والملاحق التجارية وألتقي بأناس ولدوا في الكويت، درسوا في الكويت، أو ينشدون حياة كريمة في الكويت. فهذا نزح مع والده في الثمانينيات وآخر هاجر مع والدته بعد الغزو العراقي الغاشم، ولكل قصـة. 

بعضهم مازال يقرأ ما ُيكتب في صحفنا المحلية ووسائل إعلامنا على تنوعها ويشعر بالألم وشيء من الاستفزاز. يتساءل: لماذا يقابل إعلام الكويت إحسانهم بالإساءة، مع أنهم لم يحملوا في قلوبهم إلا الذكريات الجميلة عن الكويت؟! وأضيف: لماذا هذه الحملة الشنيعة على الوافدين والتي تسخر من كل وافد، وتعلق مصائبنا المحلية ومشاكلنا اليومية على ظهر الوافد؟! لماذا يصر البعض على أن نبدو بمظهر الناكر لمعروفهم في العمران والتعليم والطبابـة وغيرها من مجالات وكأن الكويتيين قد شيدوا بأيديهم وبأنفسهم كل شئ ؟! 

الكويت يا سادة حالة خاصة، فقد نعمت ومازالت تنعم بحب كل من سكن على أرضها وبات في حماها، ولسنا كباقي دول الخليج التي بدأت فقط حديثا في استقطاب الكفاءات والمميزين من المقيمين من إخواننا العرب، وحسنا فعلوا. أو لسنا نحن أولى باحتضان بعضا من هؤلاء والاستفادة منهم؟!

خامسها: لماذا نكذب على أنفسنا وعلى أولادنا وأصدقائنا ومن حولنا؟ فإذا كان بعض الوافدين فيه نزعة من فساد وتحايل وانعدام للنزاهة، فالسؤال: أين هؤلاء المتسترين عليهم من أبناء الكويت ممن أدخلهم بالمال، ويبيعهم بالمال، ويرمي بهم في شوارع الكويت ليتسول عليهم ويطالبهم بمبالغ طائلة نظير إقامتهم السنوية ودخلهم الشهري المتواضع؟! أين نظام الدولة ورجالاتها؟ لماذا يتم التستر على الكفيل الكويتي الذي عاث في البلد فسادا ثم يأتيك متبجحا ويقول “كلونا الوافدين!”. ولو أدركته لصرخت في وجهه وقلت: أنت من أكل حقوق هؤلاء ونلت من سمعتنا وتجاوزت على أنظمة الدولة وصرت من المارقين. فهل دخل الوافد إلى بلدنا خلسة وكأننا على حدود المكسيك؟! أم نزل من محطة قطار تعبر أوروبا كلها من دون هويـة ليجد نفسه في شوارع الكويت وأمام مبنى الهجرة؟! 

إذا، لماذا لا نعترف بأن مصيبتنا بمسؤول كويتي عبثت به شهوة المال فتخلى عن الروح الوطنية في ظل غياب المساءلة القانونية. أو لماذا سلم بعض المسؤولين الجمل بما حمل لوافد غير ذي كفاءة ليأخذ القرار عنه، غير مبال بمصالح البلاد والعباد.

سادسها وآخرها: نعم، هناك فرق بين وافد هبط (وكأنه من المريخ) على أرض الكويت في السنوات الأخيرة وليس لديه أي حس وطني تجاه بلدنا ويبحث عن كسب سريع على حساب الوطن والمواطن، وبين مقيم امتلأ أنفه بغبار الكويت في كل صيف، وامتزجت نفسه بأنفاس الوطن، وتواجد بها منذ الخمسينيات والستينات، فهل يستوون؟

بعضهم ذوو سجل ناصع البياض حتى أنه لم يعرف للمخفر طريقا، وبعضهم حصلوا على الجنسية الكويتية بأعمال جليلة وهناك آخرون كثر بانتظار إجلال أعمالهم.   

الأزمة واضحة وجلية لكل ذي لب وفهم، وهي سوء إدارة أهل البلد لمرافق ومؤسسات مهمة في البلد. والمطلوب معلوم للتلاميذ قبل الأساتذة وهو تفعيل القوانين على الجميع، وردع المسؤول المهمل المتنفع من منصبه، ووقف كل محاولات المواطنيين الذين يستغلون مرافق البلد أو من يقيم في هذه البلد لغايات في أنفسهم. فعندما يخاف المواطن من تطبيق القانون عليه (بحق ومساواة)، ستجد المقيم أو الوافد خائفا مرتعدا على أبواب الوطن، يخشى عدله ويرجو سماحته، يحترم قوانينه، ويلتزم بأعرافه وحدوده. 

نشر المقال في الأنباء بتاريخ 20 أبريل 2020.