«كان من السائد والمعروف أن أكبر عائق أمام التغيير في أي مجموعة هو الثقافة، ولهذا كانت الخطوة الأولى في عملية التغيير الكبيرة هي تغيير الثقافة، ومن ثم تغيير القواعد والقيم المؤسسية.
لقد كنت ذات يوم مؤمنا بهذه النظرية النموذجية، ولكن كل ما شاهدته خلال العقد الماضي يخبرني بأنها خاطئة!» هذا ما قاله جون كوتر الأستاذ في القيادة والتغيير بكلية هارفاد للأعمال وهو عالميا بمنزلة الحجة في موضوع التغيير لإسهاماته الكبيرة وأبحاثه العديدة وبكتبه الثمانية عشرة في عملية التغيير المؤسسي. أدرك كوتر لاحقا وبعد سلسلة من الدراسات الأكاديمية والنجاحات في عالم الاستشارات بأن التغيير الثقافي على مستوى المؤسسة لا يأتي في المرتبة الأولى.
«فالثقافة مفهوم عام لا يمكن الإمساك به أو معالجته بسهولة، ولا تتغير الثقافة إلا بعد أن تتغير سلوكيات الموظفين». فعندما تقوم مجموعة من الموظفين بتغيير بعض سلوكياتهم ويجدون أثرا ملحوظا وردود أفعال إيجابية لهذا التغيير سواء على مستوى التقدير أو الترقية أو المنفعة العامة للفريق تبدأ عملية التغيير بأخذ حجم أشمل وتأثير أكبر. وبعد أن ترتبط النتائج الجيدة بالسلوك الجديد، يتعمق هذا السلوك أكثر فأكثر لدى الموظفين أو القياديين الآخرين.
غالبًا ما يكون الرضا عن النفس نتاج النجاح، أو النجاح المتصور. (جون كوتر)
ويتابع كوتر في كتابه «قيادة التغيير» بأنه عاصر قرابة العشر حالات التي فشل فيها مدراء الموارد البشرية في «تغيير الثقافة» وكانت لشركات لم تقم بعمليات تغيير شاملة، حتى أن بعضهم أطلق دورات في «تعليم القيم» وكأنّ تغيير الثقافة سيأتي بالقوة! ويؤكد كوتر بأن فهم ثقافة المؤسسة ووضعها الحالي وتفهم حساسيتها وخصوصيتها في المراحل الأولى للتغيير أمر مهم، ولكن هذا لا يعني أن تكون معالجة الثقافة السائدة (إن كانت سيئة وغير فعالة) هي أولى جبهات الحرب المعلنة في التغيير في المؤسسة.
ولأن بيئة المؤسسات تعكس لبنة المجتمع وتعبر عن ثقافة أفراده سواء على المستوى السلوكي أو الإنتاجي، وكوننا مقبلين على حدث ديموقراطي جديد في انتخابات مجلس الأمة القادم (مطلع ديسمبر 2020)، أجد من المهم التأكيد على أن التغيير الثقافي لا يأتي أولاً، وعلى المسؤولين عن المشهد السياسي (وربما الاقتصادي) أن يدركوا بأن أفراد المجتمع جاهزون لتغيير سلوكياتهم متى ما عاينوا وتأكدوا أن سلوكهم الجديد سيتم تقديره ومكافأته وتعزيزه، فالتغيير الثقافي يأتي في نهايات عملية التغيير وليس في بداياته.
ولنا وقفات في التغيير المنشود.
بقلم: محمد ناهس. نشر في جريدة الأنباء – 1 ديسمبر 2020